محمد بن الطيب الباقلاني

20

إعجاز القرآن

فمنهم من يستهين بها ( 1 ) ويجعل ذلك سببا لتركه الاتيان بمثله . ومنهم من يزعم أنه مفترى ، فلذلك لا يأتي بمثله ومنهم من يزعم أنه دارس ، وأنه أساطير الأولين . وكرهنا أن نذكر كل آية تدل على تحديه ، لئلا يقع التطويل . ولو جاز أن يكون بعضه مكتوما لجاز على كله . ولو جاز أن يكون بعضه موضوعا لجاز ذلك في كله . فثبت بما بيناه أنه تحداهم به ، وأنهم لم يأتوا بمثله ( 2 ) . وهذا الفصل قد بينا أن الجميع قد ذكروه وبنوا عليه . / فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم بعده أن تركهم للاتيان بمثله كان لعجزهم عنه . والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الاتيان بمثل القرآن : أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي ، وجعله دلالة على صدقه ونبوته ، وضمن ( 3 ) أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبى ذريتهم ، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا ، وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه ، بأمر قريب ، هو عادتهم في لسانهم ، ومألوف من خطابهم ، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال ، وإكثار المراء والجدال ، وعن الجلاء عن الأوطان ، وعن تسليم الأهل والذرية للسبي . فلما لم تحصل هناك معارضة منهم ، علم أنهم عاجزون عنها . يبين ذلك أن العدو يقصد لدفع قول ( 4 ) عدوه بكل ما قدر عليه من المكايد ، لا سيما مع استعظامه ما بدهه بالمجئ من ( 5 ) خلع آلهته ، وتسفيه رأيه في ديانته ، وتضليل آبائه ، والتغريب عليه بما جاء به ، وإظهار أمر يوجب الانقياد لطاعته ، والتصرف على حكم إرادته ، والعدول عن إلفه وعادته ، والانخراط ، في سلك الاتباع بعد أن كان متبوعا ، والتشييع بعد

--> ( 1 ) ا ، م : " به " ( 2 ) س : " تحدى إليه . . . له بمثل " ( 3 ) س : " وتضمن " ( 4 ) ا : " لقول " ( 5 ) ا : " مع "